عـربـيـتـنـا

ملتقى عا شقي اللغة العربية

الاثنين، يونيو 22، 2009

اتجاهات جديدة في مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا

إعداد: د. نصر الدين إدريس جوهر

(كلية الآداب جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية، سورابايا-إندونيسيا)

bimanese@yahoo.com

تمهيد

تحتل اللغة العربية فضل كونها لغة دينية ينطق بها القرآن الكريم مكانا نبيلا في المجتمع الإندونيسي. فعاشت فضل هذه المكانة النبيلة حياة تضمن وجودها منذ الأيام الأولى من دخولها في هذا البلاد المتزامن مع دخول الإسلام.

إلا أن حياتها المضمونة ومكانتها النبيلة كلغة دينية لم تعط شيئا يذكر لمسيرتها كلغة أجنبية. فلا يذهب بعيدا من قال إن كونها لغة دينية قد ذهب بكونها لغة أجنبية، لما يدلي به الواقع أن تعليم هذه اللغة بوصفها لغة أجنبية لا يربو على تعليمها كلغة دينية. فلا يسعى ما وضع لتعليمها من منهج ومادة وطريقة ووسيلة إلا لإكسابها لأجل الأهداف الدينية البحتة، وهي فهم القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وغيرهما من النصوص الدينية. فأصبحت هذه اللغة نتيجة ذلك منحصرة على المهمات الدينية والبيئات التربوية الإسلامية ومعزولة عن مجالات الاتصال الاجتماعي.

وظلت اللغة العربية على هذه المسيرة إلى أن استند تعليمها في السنوات الأخيرة إلى ما يمكن الإطلاق عليه اتجاهات جديدة. ولعل أهم ما أدى إليه هذه الاتجاهات تغير اتجاه تعليم اللغة العربية من تعليمها كلغة دينية كما كان في الاتجاه القديم إلى تعليمها كلغة أجنبية. وهذا التغير يمكن وصفه شبه ثوري إذ إنه يجعل تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية في الأساس وأما تعليمها كلغة دينية ليس إلا جزءا من هذا الأساس أو فرع منه.

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على تعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاهين القديم والجديد مبينا في ذلك ملامح تعليمها في ضوء كل من هذين الاتجاهين فضلا عما يأتي به الأخير لرفع مستوى تعليم اللغة العربية سواء كان من ناحية منهج التعليم أو سياسة التعليم.

اللغة العربية في المجتمع الإندونيسي: لمحة تاريخية

إنه مما لا يختلف فيه اثنان أن دخول اللغة العربية وانتشارها في إندونيسيا –شأن دخولها وانتشارها في دول أجنبية أخرى- كان يتزامن ويتماشى مع دخول الإسلام وانتشاره في هذا البلاد. ذلك لما يقوم بينهما من علاقة وطيدة كما لو كانا وجهان لعملة واحدة يحرم الفصل بينهما. فاللغة العربية هي التي ينطق بها المصدر الأساسي للدين الإسلامي: القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، مما يعني أنه لا يتدين الإندونيسيون بهذا الدين الحنيف إلا وهم يتعاملون مع لغته العربية.

ووصلت اللغة العربية أول ما وصلت في سواحل إندونيسيا في القرن الأول الهجري أو القرن السابع الميلادي، وذلك على أساس ما اتفق عليه أغلبية المؤرخين أن الإسلام دخل أول ما دخل في إندونيسيا في هذا القرن على أيدي العرب الذين جاءوا مباشرة من مكة المكرمة.[1]

كما شهد الإسلام من انتشار واسع وما وجد من قبول حسن فانتشرت اللغة العربية بدورها انتشارًا واسعًا ووجدت قبولا حسنا من قبل المجتمع الإندونيسي. وفي ضوء هذا التآزر هناك خمسة عوامل أساسية يعود إليها انتشار اللغة العربية في إندونيسيا، وهي:[2]

1. تشجيع الإسلام المسلمين على طلب العلم، ومعظم العلوم الإسلامية مكتوبة باللغة العربية.

2. وصول التجار العرب إلى بلاد إندونيسيا منذ ظهور الإسلام ومصاهرتهم لأهلها.

3. تأسيس الحلقات الدينية في المساجد والمدارس الإسلامية، وعلى مر الأيام تحول بعض هذه الحلقات إلى مؤسسة كبيرة تضم المدارس المنتشرة في أنحاء إندونيسيا.

4. كثرة الكتب العربية بمختلف أنواعها خاصة الكتب الدينية، وفي قراءة هذه الكتب التراثية يحتاج القارئ إلى كفاية لغوية عالية من القواعد الصرفية والنحوية. وهذا يدفع المسلمين الإندونيسيين إلى التعمق في اللغة العربية.

5. مد حكومات الدول العربية يد المساعدة لأبناء المسلمين في إندونيسيا لمواصلة دراستهم في تلك الدول.

إلى جانب هذه العوامل التي يمكن وصفها -بوجه عام- دينية، ثمة عوامل أخرى تؤدي دورا لا يقل أهمية في انتشار اللغة العربية في إندونيسيا، وهي:[3]

1. العامل اللغوي. إن انتشار اللغة العربية وقبولها لدى المجتمع الإندونيسي لا ينعكس عند شيوع استخدامها في الحياة الدينية فحسب وإنما ينعكس كذلك على الحياة اللغوية إذ إن هذه اللغة تؤثر على اللغة الإندونيسية وتغني خزانتها. فتطورت عدة جوانب في خزانة اللغة الإندونيسية نتيجة تأثرها باللغة العربية ولعل أهم وجوه هذا التأثر دخول أصوات اللغة العربية واقتراض كلماتها إلى اللغة الإندونيسية. فالأصوات الفاء (f) والشين (sy)، والزاي (z)، على سبيل المثال لا الحصر، ليست من الأصوات الإندونيسية الأصلية وإنما هي أصوات عربية دخلت إلى اللغة الإندونيسية من خلال اقتراض الكلمات مثل: فهم (Faham) شرط (Syarat) زيارة (Ziarah). وكذلك على مستوى المفردات فالكلمات Tafsir , Syukur , Zakat ، على سبيل المثال لا الحصر، ليست من الكلمات الإندونيسية الأصلية وإنما هي مقترضة من الكلمات العربية وهي: تفسير، وشكر، وزكاة. ومما ينتج من هذا التأثير اللغوي وجود التشابه بين اللغة العربية واللغة الإندونيسية، الأمر الذي بدوره يساعد الإندونيسيين على تعلم اللغة العربية بسهولة إلى حد كبير، وهذا بدوره يؤدي إلى انتشار هذه اللغة.

2. العامل الاجتماعي. قد أثبتت ملفات التاريخ أن الدعاة الذين جاءوا بالإسلام كان منهم تجار مما يعني أن المعاملات التجارية بينهم وبين أهل المناطق في إندونيسيا كانت بوسيلة اللغة العربية فضلا عن اللغة الإندونيسية. كما يعني أن هذه المعاملات التجارية نقلت اللغة العربية إلى لسان أهل المناطق السواحلية وتصبح لغة التعامل التجاري بين الطرفين. فتعلم الإندونيسيون اللغة العربية ليس فقط للأهداف الدينية وإنما أيضا للأخرى التجارية التي لا تقل أهمية إذ إن التجارة كانت يومها من أبرز الحركات الاجتماعية.

3. العامل التربوي. إن اللغة العربية لا يكتسبها الإندونيسيون نتيجة تعاملهم التجاري مع التجار العرب فقط كما لا يكتسبونها من خلال حفظهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأدعية في الصلاة فحسب وإنما يكتسبونها أيضا بأسلوب منظم ومنهجي من خلال عملية التعليم والتعلم. لقد اهتمت المعاهد الإسلامية منذ قديم الزمان بتعليم اللغة العربية لأبناء المسلمين بهدف تزويدهم بالقدرة اللغوية حتى يتمكنوا من استيعاب القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وغيرها من مصادر القيم والعلوم الإسلامية. كما اهتمت المعاهد بإلحاق أبناءها بالمعاهد والمدارس في الشرق الأوسط ليكتسبوا اللغة العربية في بيئتها الطبيعية ويتعاملوا مع الناطقين الأصليين بها. وبعد أن أكملوا دراستهم وعادوا إلى إندونيسيا ساهم هؤلاء في نشر اللغة العربية سواء كان ذلك عن طريق تأليف الكتب أو تأسيس المدارس والمعاهد.

ولعل هذا العامل الأخير –وهو العامل التربوي- هو الذي يؤدي دورا رئيسيا لحياة اللغة العربية في إندونيسيا وانتشارها بين أجيال هذا البلاد. فقد تطور تعليم هذه اللغة بشتى جوانبها تطورا ملحوظا منذ أن كان على النهج التقليدي في حلقات المساجد والمعاهد إلى أن يكون الآن على النهج الحديث في المدارس والجامعات.

بل إن مجال تعليم اللغة العربية في السنوات الأخيرة قد تطور بعيدا مواكبة لمتطلبات تعليم اللغات الأجنبية المعاصر، فأصبح -على سبيل المثال لا الحصر- لم يعد يتخذ مكانه في المدارس والمعاهد المحلية وإنما أيضا في المؤسسات الدولية التي بدأت تنتشر في كل أنحاء إندونيسيا. بل وقد وجد مكانه في الوسائل الإعلامية وشبكات الإنترنت الدولية. وكذلك من حيث التكنولوجية التعليمية فإنه لم يعد يتقيد بالوسائل التعليمية التقليدية مثل الكتب والسلسلة التعليمية والسبورة والطباشير، بل بدأ يستعين بالوسائل الحديثة مثل المعامل اللغوية والأقمار الصناعية والكمبيوتر وغيرها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مجال تعليم اللغة العربية بدأ يواكب متطلبات تعليمها المستجدة كلغة أجنبية.

تعليم اللغة العربية على المنهج القديم

إن اللغة العربية –كما سبقت الإشارة إليه- دخلت في إندونيسيا منذ وقت مبكر من تاريخ هذا البلاد ووجدت قبولا حسنا من قبل المجتمع الإندونيسي وسجلت انتشارا ملحوظا بفضل كونها لغة دين الإسلام. إلا أن هذه البداية المشرقة والمسيرة الواعدة حظتها اللغة العربية بوصفها لغة الدين فقط ولم تحظ هي كل ذلك بوصفها لغة أجنبية. فإن مسيرة هذه اللغة كلغة أجنبية لم تحظ ما تستحقه من سياسة النشر الجيدة ومناهج التعليم والتعلم المطورة. كان ما يستند إليه تعليم هذه اللغة من منهج وطريقة يمكن وصفه تقليديا وأحادي الجانب حيث أنه يركز إلى حد كبير على كونها لغة دينية دون مراعاة كونها لغة أجنبية، مما يبرر القول إن تعليمها يتبنى اتجاها دينيا.

وأهم ما يتمثل فيه هذا الاتجاه الديني بناء المنهج المتبع لتعليم اللغة العربية الذي كان يتبنى منهجا نحويا المركز تركيزا بالغا على الجوانب القواعدية من اللغة العربية دون فقير اهتمام بجوانبها المهارتية. ويفترض هذا المنهج أن إكساب المواد النحوية والإلمام بها شرط أساسي –إن لم يكن وحيدا- في عملية إجادة اللغة العربية. والمعيار الرئيسي لقياس مدى درجة إجادة اللغة العربية في ضوء هذا المنهج هو القدرة على قراءة النصوص العربية خاصة النصوص الدينية والأدبية وترجمتها إلى اللغة الإندونيسية. لذا فإن الهدف الرئيسي من تعليم اللغة العربية وتعلمها على هذا المنهج هو الهدف الديني، وهو تعليم اللغة العربية وتعلمها من أجل التمكن من فهم القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وغيرهما من المصادر الدينية الإسلامية.

وتحقيقا لهذا الهدف الديني اتبع المعنيون بتعليم اللغة العربية في إندونيسيا المدخل النحوي، ذلك المدخل الذي كان شائعا في جنوب شرق آسيا والذي يهدف إلى تعليم اللغة من أجل الاتصال بالتراث الإسلامي من خلال تزويد الطلاب بالنحو والصرف والمفردات وغيرها مما يلزمه لقراءة القرآن الكريم وقراءة كتب اللغة والأدب.[4]

وفي ضوء هذا الاتجاه الديني والمدخل النحوي كان تعليم اللغة العربية على جميع مستوياته يتركز إلى حد كبير على عملية تزويد الطلاب بقواعد اللغة العربية وتدريبهم على الترجمة لكي يتمكنوا من استيعاب النصوص العربية وترجمتها إلى اللغة الإندونيسية. وذلك يتم من خلال توظيف ما يعرف بطريقة النحو والترجمة، تلك الطريقة التي رآها العلماء من أقدم ما يعرف من طرائق تعليم اللغات الأجنبية والتي قد أشارت العديد من الدراسات إلى فشلها وعدم فعاليتها رغم أنها لا تزال سائدة الاستخدام حتى الآن في مناطق مختلفة من العالم.[5] وكان شيوع توظيف هذه الطريقة يعود في المقام الأول إلى أنها تتخذ النحو والترجمة وسيلة لتعلم اللغة وتحللها تحليلا مفصلا وتطبيقها في ترجمة الجمل من وإلى اللغة الهدف. وهذا يتناغم تماما مع تعليم اللغة العربية في المدارس والمعاهد والجامعات في إندونيسيا التي يهدف إلى تزويد الطلاب بالقواعد وتدريبهم على ترجمة النصوص العربية إلى اللغة الإندونيسية أو غيرها من اللغات المحلية. إضافة إلى ذلك إن هذه الطريقة تسمح استخدام اللغة الوسيطة في عملية التعليم مما يخفف عبء معلمي اللغة العربية في إندونيسيا الذين كان معظمهم لم يتمتع بما يكفي من مهارة الكلام.

ومما يترتب أيضا على اتباع الاتجاه الديني والمدخل النحوي في تعليم اللغة العربية انحصار المواد التعليمية على جميع المستويات على الموضوعات النحوية والنصوص المقروءة التي تستمد من الكتب الدينية واللغوية. ولعل خير مثال لذلك منهج وطني لتعليم اللغة العربية في الجامعات الإسلامية الإندونيسية حيث ينحصر محتواه على المباحث النحوية حول الكلمة والحروف والأفعال والأسماء والصفات، ويعتمد تقديمه ليس على الكتب التعليمية وإنما على الكتب اللغوية التي لم يكن إعدادها لأجل الأهداف التعليمية، مثل النحو والصرف لأحمد شلبي، وجامع الدروس العربية لمصطفى الغلاييني، القواعد الأساسية للغة العربية لأحمد الهاشمي، النحو الواضح لحفني بك ناصف وزملائه. [6] وكذلك المنهج المتبع لتعليم اللغة العربية على المستويين دون الجامعة، فالمواد التعليمية المقدمة كانت تنحصر على النصوص المقروءة وما تتضمنه من موضوعات النحو. ولعل خر ما يمثل ذلك سلسلات تعليم اللغة العربية على المستويين المتوسط والثانوي مثل سلسلة تعليم اللغة العربية للمستوى الثانوي التي ألفها الدكتور هدايات وزملائه والتي كان إعدادها على أساس منهج 1994م.[7] هذه السلسلة التعليمية تركز تركيزا بالغا على تزويد الطلاب بالقواعد النحوية ومهارة الترجمة وذلك من خلال تقديم النصوص المقروءة التي تشل جزءا أغلب من الكتب.

وتعليم اللغة العربية من خلال مثل هذا المحتوى لن يحقق نتيجة مرضية بدون شك. وقد أثبت ما اكتشفه أحمد شلبي –مؤرخ مصري وخبير تعليم اللغة العربية- بعد إجرائه مسحًا ميدانيًا في مراكز تعليم اللغة العربية في إندونيسيا في الثمانينيات حيث وصف ما وجده في تلك المراكز ظاهرة مؤلمة إذ إن تعليم اللغة العربية لا يستمد من الكتب التعليمية وإنما من الكتب اللغوية وينتج عن ذلك تدني قدرة الطلاب على إجادة اللغة العربية بصورة مرضية مع أنهم قد أمضوا زمناً يكفي لهم لإجادة اللغات الأجنبية الأخرى مثل الإنجليزية.[8]

ومما ينتج أيضا عن الاعتماد على مثل هذا المحتوى التعليمي ابتعاد المعلمين عن استخدام الوسائل والتكنولوجيات التعليمية. لأن من طبيعة هذه المواد أنها لا تشترط في تقديمها وسائل أو تقنيات تعليمية كثيرة وإنما تعتمد مطلقا على عملية التلقين والترجمة المباشرة. ولوحظ أنه في الوقت الذي يترقى فيه تعليم اللغات الأجنبية الأخرى مثل الإنجليزية بكل أنواع الوسائل التعليمية الحديثة يتقيد تعليم اللغة العربية بالوسائل التقليدية مثل الكتب التعليمية والسبورة والطباشير. وهذا بدون شك مما يؤثر سلبا على مدى تحصيل الطلاب اللغوي إذ إن الوسائل من أهم ما تتطلبه عملية تعليم اللغات الأجنبية لما فيها من عوامل نفسية وتربوية التي تزيد فعالية عملية التعليم ونجاحها.

هذا الاتجاه الديني وما يستند إليه من مدخل ومواد تعليمية وطرائق التدريس قد حصر اللغة العربية في قيود الدين ولم يعط حقها كلغة أجنبية. إن تعليم اللغة العربية وتعلمها في ضوء هذا الاتجاه ليس عيبا بكل التأكيد بل إنه يتماشى مع كون هذه اللغة لغة دينية التي ينطق بها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، كما يتماشى مع دافعية الإندونيسيين الرئيسية لتعليم اللغة العربية.[9] إلا أن التركيز البالغ على هذا الجانب الديني يجعل عملية تعليم اللغة العربية وتعلمها عملية أحادية الجانب التي لا تتماشى مع متطلبات مستجدة لتعليم هذه اللغة وتعلمها بوصفها لغة أجنبية، وذلك لأنها تعامل اللغة العربية معاملة تستهين بكونها لغة مجالات الحياة الأخرى.

وتعليم اللغة العربية في ضوء مثل هذا الاتجاه يؤثر سلبيا على تنوع الخبرات اللغوية المراد تزويدها للطلاب لأنه يهتم بتزويدهم بالقواعد والترجمة على حساب المهارات اللغوية الأخرى وهي مهارة الاستماع والكلام والكتابة. وهذا بكل التأكيد لا يتناغم مع الاتجاهات الحديثة لتعليم اللغة الأجنبية، لأن القواعد ليست هدفـًا على حد ذاتها وإنما هي وسيلة للوصول إلى المهارات اللغوية. وأهم ما يبرر هذا الانتقاد تدني مستوى المهارات الاتصالية لدي متعلمي اللغة العربية الإندونيسيين بوجه عام. هم يكتفون في إجادتهم اللغة العربية بالإلمام بالقواعد النحوية والقدرة على الترجمة أو بعبارة أخرى أنهم يهتمون بالجانب الاستيعابي من اللغة ويستهينون بالآخر الإنتاجي. وهذا يؤثر سلبا على اجتماعية اللغة العربية حيث تبقى هي لغة الكتب والدروس الدينية في بيئات محددة، لا تجد مكانها في مجالات الاتصال في المجتمع الإندونيسي.

اتجاهات جديدة في تعليم اللغة العربية

منذ النصف الثاني من التسعينيات شهد مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا تطورا ملحوظا بعد أن سار قبل ذلك على نهج يمكن وصفه قديما وتقليديا في قيود الاتجاه الديني. ويتمثل هذا التطور ليس فقط في المنهج التعليمي وإنما أيضا في الإدارة التعليمية والموارد البشرية. ويعد هذا التطور نقطة البداية للاتجاهات الجديدة في مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا وهي تلك الاتجاهات التي وضعت حدا لكثير من سياسة تعليم اللغة العربية وإدارته ومناهجه التي لم تتناغم مع اتجاهات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. وتنعكس هذه الاتجاهات الجديدة في عدة جوانب تعليمية تتلخص أهمها في النقاط التالية:

تطوير المنهج

يتسم منهج تعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاهات الجديدة بأنه لا ينحصر من حيث الأهداف على الأهداف الدينية فقط -كما كان في المنهج القديم- وإنما يطوّر ليشمل أيضا الأهداف الاتصالية وهي السعي إلى تمكين الطلاب من جميع المهارات اللغوية من استماع وكلام وقراءة وكتابة على حد سواء. ذلك على أساس أن اللغة العربية ليست مجرة اللغة الدينية وإنما هي أيضا لغة الاتصال بشتى مجالاته. ولعل مما يتمثل فيه هذا التطوير في الأهداف: المنهج على أساس الكفاءات لتعليم اللغة العربية على المستوى الابتدائي والمتوسط والثانوي الذي وضعته الوزارة لشؤون الدينية عام 2004م، ومنهج لتعليم اللغة العربية في جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا عام 2005م،[10] ومنهج تعليم اللغة العربية في الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج عام 2005م.[11]

وهذا التطوير في الأهداف قد استتبع تطويرات أخرى منها ما يتمثل في المحتوى حيث تطور المواد التعليمية لتشتمل ليس على المواد النحوية والنصوص المقروءة فقط وإنما تغطى جميع عناصر اللغة العربية (الأصوات والمفردات والتراكيب) ومهاراتها الأربع (الاستماع والكلام والقراءة والكتابة). ولم يعد تقديم المواد من خلال النصوص المقروءة المستمدة من الكتب الدينية والأدبية فقط، وإنما أيضا من خلال النصوص المسموعة التي يتم تنظيمها وتقديمها في السلسلات التعليمية.

وهذا التطوير في المواد التعليمية قد استتبع بدوره تطويرا في طرق التدريس حيث أن عملية تعليم اللغة العربية على جميع المستويات لم تعد تتقيد بطريقة النحو والترجمة. ورغم أن هذه الطريقة التقليدية مازالت يوظفها المعلمون إلا أن توظيفها يتآزر مع طرائق أخرى حديثة في ضوء ما يعرف بالطريقة الانتقائية. قد شاع استخدام هذه الطريقة في السنوات الأخيرة خاصة في برامج تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا نتيجة تغير اتجاه التعليم وتحسن تأهيل المعلمين. ومن برامج تعليم اللغة العربية التي توظف هذه الطريقة البرنامج مكثف لتعليم اللغة العربية في جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا،[12] والبرنامج الخاص لتعليم اللغة العربية في الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج.[13] وفي ضوء هذه الطريقة يدير المعلمون حصص تعليم اللغة العربية ليس عن طريق الشرح والترجمة وإنما على المبادئ التالية:

- تنويع طرائق التدريس وأساليبه حسب المواقف القائمة في حجرة الدراسة أثناء الحصة.

- تجنب الترجمة واستخدام اللغة الأم إلا في حالات تدعو لها الحاجة.

- الاهتمام بجوانب اللغة العربية الاستقبالية والإنتاجية على السواء.

- إعطاء الطلاب ما يكفي من الفرصة لممارسة اللغة العربية.

وهذا التطوير في طرق التدريس وأساليبها قد واكبه التطوير في الوسائل التعليمية حيث أصبحت عملية تعليم اللغة العربية لم تعد تستعين بالوسائل التقليدية مثل الكتب المقررة والكتب المصاحبة والسبورة فقط وإنما أيضا بالوسائل التكنولوجية الحديثة سواء كانت سمعية وبصرية أم سمعية بصرية، مثل المعمل اللغوي والأقمار الصناعية والفيديو والكمبيوتر. بل وقد وجد تعليم اللغة العربية مكانه في الوسائل الإعلامية البصرية مثل المجلة و الوسائل السمعية البصرية مثل شبكة الإنترنت. وكانت مجلة آلوا إندونيسيا الصادرة في مدينة سمارانج أول وسيلة إعلامية التي أنفقت صفحاتها على تعليم اللغة العربية، ثم تأتي بعدها المجلة "نادي" الصادرة في مدينة مالانج التي أيضا فردت بين صفحتها مكانا لدروس اللغة العربية. ورغم دروس اللغة العربية في هاتين المجلتين لا تربو على إنماء ذخيرة المفردات إلا أنها تعد تطورا ملحوظا الذي لم يسبق له مثيل. وهذا تفيد هذه اللغة كثيرا على الأقل أن كونهما مجلتين عربيتين توفر ما يمكن الاستفادة منه في قراءة النصوص العربية المعاصرة مما يكوّن وينمي في المجتمع الإندونيسي حب الاطلاع على الكتابة العربية. كما وجد تعليم اللغة العربية مكانه على شبكات الإنترنت حيث أدار بعض المتخصصين مواقع خاصة لتعليم اللغة العربية للناطقين باللغة الإندونيسية.[14] وتعليم اللغة العربية على مواقع الإنترنت يؤثر إيجابا على اتجاهات المجتمع نحو اللغة العربية حيث أنه يؤكد الجميع أن اللغة العربية ليست لغة منغلقة تخص مجموعة معينة من الناس في بيئات دينية محددة ولكنها لغة دولية تستخدم في كل مجلات الحيات وتؤدي دورا لا يقل أهمية من اللغات الأجنبية الأخرى في هذا العصر الحديث. كما يؤكد تأكيدا نفسيا وبصورة خاصة لمتعلمي اللغة العربية أنهم ليسوا معزولين عن الحياة المعاصرة عندما يتعلمون اللغة العربية.

ولا يستثنى مجال التقويم من هذا التطوير المنهجي حيث تغير نظام التقويم اللغوي من التقويم التقليدي المهتم بقياس المعرفة اللغوية إلى الآخر الحديث المهتم بكل من المعرفة اللغوية والمهارة اللغوية على حد سواء. بل وقد تطورت أنواع الاختبارات اللغوية –وهي أهم أدوات التقويم اللغوي- من الاختبارات التشخيصية والتحصيلية المتعلقة بعملية التعليم في مدة مجددة أو برنامج معين إلى نوع الاختبار اللغوي العام المعروف باختبار كفايات اللغة العربية كلغة أجنبية (Test Of Arabic as Foreign Language -TOAFL) التي بادرت في السنوات الأخيرة بعض الجامعات الإسلامية في إندونيسيا إلى تصميمه وإصداره.[15]

تطوير البرامج التعليمية

إن التطورات التي شهدها مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا في ضوء الاتجاهات الجديدة لا تنحصر على الجانب المنهجي فحسب وإنما أيضا يغطي جانب إدارة البرامج التعليمية. وقد نشأت جذور هذا التطوير الإداري في النصف الثاني من التسعينيات عندما ظهر في الجامعات الإسلامية الإندونيسية حكومية كانت أم أهلية ما يعرف ببرامج تعليم اللغة العربية المكثفة. وهي برامج يجب أن يمر بها طلاب الجامعة الجدد في السنة الأولى من دراستهم بهدف تزويدهم بالمهارات اللغوية التي تساعدهم في دراستهم الجامعية. وجاءت فكرة إدارة هذه البرامج تذليلا لمشكلة تدني مستوى اللغة العربية لدى طلاب المستوى الثانوي عند التحاقهم بالمرحلة الجامعية مما يؤدي بهم إلى مواجهة مشاكل لغوية في متابعة المحاضرات والاطلاع على المراجع العربية.

وظهور هذه البرامج يعد مرحلة جديدة في مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا لما تتبناه هذه البرامج من منهج حديث لتعليم اللغة العربية كلغة أجنبية، وهو الذي ينعكس في النقاط التالية:

1. هذه البرامج تخلت عن اتجاه النحو والترجمة الذي شائع الاستناد إليه في تعليم اللغة العربية بإندونيسيا.

2. تنبني عملية التعليم في هذه البرامج على أساس المهارات اللغوية الأربع بصورة متكاملة بخلاف نظيرتها في المنهج التقليدي التي تتركز بصورة بالغة على مهارة القراءة والترجمة.

3. تستمد مواد تعليم اللغة العربية في هذه البرامج من أحدث سلسلة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مثل العربية للناشئين والعربية بين يديك أو السلسلات التعليمية المحلية التي تستمد موضوعاتها من الكتب الأساسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. وهذا بخلاف المواد التعليمية القديمة الشائعة التي تستمد من الكتب الدينية واللغوية أو السلسلة التعليمية المستمد موادها من الكتب الأساسية لتعليم اللغة العربية.

4. تتبنى عملية التعليم في هذه البرامج مداخل وطرائق التدريس الحديثة ولم تعد تتقيد بطريقة النحو والترجمة التي ساد استخدامها من قبل.

5. تستعين عملية التعليم في هذه البرامج بأنواع مختلفة من الوسائل التعليمية الحديثة مثل الكمبيوتر والمختبر اللغوي وجهاز التسجيل والقمر الصناعي وغيرها من الوسائل الحديثة التي لم تشع استخدامها التعليمي من قبل.

6. تدار هذه البرامج بصورة مكثفة حيث تستنفد الدراسة من ثلاثة إلى خمسة أيام في الأسبوع. وهذا من حيث الكم أكثر بدرجات من عدد الحصص في البرامج العادية التي تستغرق حصة واحدة فقط (مدة ساعة ونصف الساعة) في الأسبوع.

7. تهتم هذه البرامج (في بعض الجامعات) بتوفير بيئة لغوية وذلك ببناء داخلية للطلاب يعيشون فيها جوا لغويا يمكنهم من ممارسة اللغة العربية في حياتهم اليومية. وهذا يعد تطورا غير مسبوق إذ إن انعدام البيئة اللغوية مشكلة تجابه أغلبية المؤسسات التربوية في إندونيسيا سواء أكان ذلك بسبب انعدام البيئة نفسها أم بسبب انعدام من يحركها ويشرف عليها.

ومرحلة أخرى من مراحل تطور إدارة تعليم اللغة العربية في إندونيسيا هي نشأة في بداية الألفيات الثانية معاهد دولية لتعليم اللغة العربية وفي مقدمتها المعاهد الإماراتية الخاصة لتعليم اللغة العربية. هذه المعاهد منتشرة في بعض أكبر المدن الإندونيسية مثل سورابايا، ومالانج، وباندونج، وسوراكارتا، وماكسار، وسولو، وجاكارتا. وتعد نشأة هذه المعاهد مما يمهد طريقا إلى إدارة حديثة لبرامج تعليم اللغة العربية في إندونيسيا وذلك من خلال ما يلي:

1. توظيف المعلمين المؤهلين معرفيا ومهنيا في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها المبعوثين من الدول الناطقة بالعربية مثل السودان.

2. تزويد الطلاب ليس بالمهارات اللغوية فحسب وإنما أيضا تدربهم معرفيا ومهنيا على تعليم اللغة العربية.

3. توفير بيئة لغوية من خلال توفير داخلية الطلاب التي تمكن المعهد من الإشراف المباشر على تنمية مهارات الطلاب اللغوية والتي توفر للطلاب في الوقت نفسه جوا خاصا يعيشون فيه حياتهم اليومية باللغة العربية.

وإلى جانب المرحلتين السابق ذكرهما هناك مرحلة أخرى من مراحل تطور إدارة برامج تعليم اللغة العربية وهي ظهور برامج تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة مثل تعليم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية لغرض أكاديمي. ظهر الأول في بعض المدن الإندونيسية مثل جاكارتا وسورابايا ومالانج ويتخذ مكانه في المساجد ومراكز النشاطات الإسلامية ويخص الراغبين في فهم القرآن الكريم ولكن ليس لديهم ما يكفي من الكفاءة اللغوية العربية. أما الثاني فهو يظهر في الجامعات ويخص الطلاب المتخصصين في العلوم الإسلامية الراغبين في رفع مستواهم اللغوي لكي يتمكنوا من الاطلاع على المراجع العربية في مجال تخصصهم.

وظهور هذه البرامج التعليمية يعد تطورا في مجال تعليم اللغة العربية وذلك لعدة أسباب منها:

1. إنها تعكس في إدارة تعليم اللغة العربية مراعاة توسع دائرة أهداف تعلم اللغة العربية وتنوعها كما تعكس أن الأهداف الدينية لم تعد دافعا فريدا في تعلم اللغة العربية لدى الإندونيسيين.

2. إنها تدل على الاهتمام برغبات متباينة ومتزايدة لدى الإندونيسيين في تعلم اللغة العربية حيث أصبح متعلمو اللغة العربية ليسوا فقط من طلاب المعاهد والجامعات الذين يتعلمون اللغة العربية لأغراض أكاديمية وإنما أيضا من المجتمع العام الذين يرغبون في فهم القرآن الكريم والعمال الذين يريدون أن يعملوا في الدول العربية.

3. إنها تدل على الإدراك أن الرغبة في تعلم اللغة العربية لا تخص الناشئين من تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والمعاهد فحسب وإنما أيضا الراشدين والكبار. وقد اكتشف أن برامج تعليم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم في إندونيسيا ظهرت تلبية لحاجات هذه الفئة العمرية من المسلمين الذين يحرصون على فهم القرآن الكريم ولكن لم تسبق لهم خبرة تعلم اللغة العربية.[16]

4. إنها تشير إلى مواكبة إدارة تعليم اللغة العربية اتجاهات حديثة في تعليم اللغة الأجنبية إذ إن تعليم اللغة لأغراض خاصة يعد من التطورات الأخيرة في مجال تعليم اللغات الأجنبية.

5. إنها تشير إلى القدرة على بناء مناهج متنوعة تلبي حاجات الإندونيسيين المتباينة من تعلمهم اللغة العربية إذ إن ظهور برامج تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة يعنى بالضرورة بناء منهج جديد لتعليم اللغة العربية. ولعل خير ما يؤيد هذا التطور بناء منهج تعليم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم في مؤسسة تثقيف الأمة بمدينة مالانج منهجا كاملا بما فيه من أهداف ومحتوى وطريقة وتقويم.[17]

تأهيل المعلمين

إن مجال تعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاهات الجديدة لا يبَشر بالتطورات المنهجية والإدارية فقط وإنما أيضا بالتطورات في تنمية الموارد البشرية. ولعل أهم ما يتمثل فيه هذا التطور ظهور برامج تأهيل معلمي اللغة العربية في بداية الألفيات الثانية التي يمكن تقسيمها إلى قسمين:

برنامج عام لتأهيل معلمي اللغة العربية

تولت إدارة هذا البرنامج التأهيلي كليات الدراسات العليا في بعض الجامعات الإسلامية في إندونيسيا. وهو يدخل في نوع برنامج تأهيل المعلمين قبل الخدمة وأثناء الخدمة في آن واحد، لأن الطلاب المشاركين بعضهم من الذين قد تم تعيينهم معلمين حكوميين أو أهليين وبعضهم من الذين لم تكن لديهم خبرة عملية في تعليم اللغة العربية. ويتلقى الدارسون في هذا البرنامج المواد التي تحتاجون إليها في تحسين عملهم مهنيا ومعرفيا مثل علوم اللغة ومهاراتها، وطرق التدريس، والوسائل التعليمية، وبناء المنهج وتطويره، وغيرها.

برنامج خاص لتأهيل معلمي اللغة العربية

هذا البرنامج التأهيلي تولت إدارته أيضا كليات الدراسات العليا في بعض الجامعات الإسلامية في إندونيسيا. وهو يدخل في نوع برنامج تأهيل المعلمين أثناء الخدمة لأن الطلاب كلهم من الذين قد تم تعيينهم معلمين حكوميين أو أهليين في المدارس المتوسطة والثانوية. وهذا البرنامج حديث العهد حيث أدير للمرة الأولي عام 2006م مما يعني أنه لم تشارك فيه إلا دفعتان من المعلمين. ويتميز هذا البرنامج الخاص عن نظيره العام المتقدم ذكره أن المعلمين كلهم يحصلون على المنحة الدراسية من قبل الحكومة.

ويعد هذان البرنامجان تطورا ملحوظا لم يسبق له أي مثيل في مجال تعليم للغة العربية ذلك لأن ظهورهما يدل على تزايد اهتمام الحكومة لهذا المجال مما يعني أن سياسة تعليم اللغة العربية بدأت تجري إلى مجريها وتحظي ما تستحقه من الاهتمام والعناية من قبل الحكومة. كما يدل على أن السعي إلى تحسين مستوى تعليم اللغة العربية في إندونيسيا بدأ يهتم بالموارد البشرية بعد أن تركز لمدة طويلة على المواد التعليمية.

الخاتمة

إن النظرة التاريخية لمجال تعليم اللغة العربية يدلي بأن هذه اللغة كانت تنتشر وتجد قبولا حسنا من قبل المجتمع الإندونيسي بوصفها لغة دينية أكثر منها لغة أجنبية وهذا يعد أهم ما سبب (وسببه في الوقت نفسه) تقيد مجال تعليمها في المنهج القديم بالاتجاه الديني. كما يدلي بأن تعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاه الديني لم يعط مجالا لهذه اللغة في الاتصال الاجتماعي بل يجعلها محصورة في بيئات تربوية إسلامية بين مجموعة معينة من المهتمين بها في تلك البيئات. فلا يدعو للاستغراب إذا كانت مكانة هذه اللغة الشريفة في عيون الإندونيسيين لم تؤثر إيجابا على اجتماعيتها.

وتعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاه الجديد، رغم تأخره بالنسبة لتاريخ حياة هذه اللغة في إندونيسيا، يعد ثورة تعليمية لغوية بكل التأكيد. ولعل أهم ما تستفيد اللغة العربية من ذلك أنه يعيدها إلى طبيعتها كلغة أجنبية ويعطيها ما يستحقها من هندسة اللغة الأجنبية. ويتلخص ما يعنيه الاستناد إلى هذا الاتجاه الجديد في تعليم اللغة العربية في جانبين: أولهما، تزايد الاهتمام بجانب الموارد البشرية (المعلمين) في رفع مستوى تعليم هذه اللغة فضلا عن الاهتمام بالجانب المنهجي، وهذا يتماشى إلى حد كبير مع اتجاه تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. وثانيهما، تزايد اهتمام الحكومة بتعليم اللغة العربية مما يعني تحسن سياسة تعليم هذه اللغة على المستوى الوطني.

المراجع

دليل البرنامج الخاص لتعليم اللغة العربية، الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج، 2005م.

شلبي، أحمد. تعليم اللغة العربية لغير العرب، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1980م.

أفندي، أحمد فؤاد. منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لهدف خاص تجربة مؤسسة تثقيف الأمة بمالانج، في القرآن لغته وتفسيره، جاكارتا: أولى النهى للطباعة والنشر، 2006م.

سريانجارا، أحمد منصور. Menemukan Sejarah، باندونج: ميزان، 1998م.

العربية للطلبة، جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا، ج 1،2،و3، 2005م.

طعيمة، رشدي أحمد. تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه، (الرباط: إسيسكو، 1989م.

صالح، شهداء. مناهج تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية بإندونيسيا، رسالة الدكتوراه، جامعة النيلين، الخرطوم، 2006م.

أبا، محمد أمين بن. تعليم اللغة العربية في مؤسسة دار الدعوة والإرشاد في إندونيسيا، رسالة الماجستير، معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، 1992م.

عبد الرحمن، محمد ناصر. أساليب تدريس كتاب العربية للطلبة، جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية، 2005م.

صيني، محمود إسماعيل. دراسة في طرائق تعليم اللغات الأجنبية، في وقائع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ج2، (مكتبة التربية لدول الخليج، 1985م.

جوهر، نصر الدين إدريس. تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا، رسالة الدكتوراه، جامعة النيلين، الخرطوم، 2006م.


[1] يستند هذا التاريخ إلى ما يعرف بـ"نظرية مكة" التي عرفها أ.د. الحاج عبد الملك كريم أمر الله المشهور بـ "بويا حامكا" والتي تزعم أن الإسلام دخل أول ما دخل في إندونيسيا في القرن الأول الهجري أو القرن السابع الميلادي على أيدي العرب الذين جاءوا من مكة المكرمة مباشرة. وجاءت هذه النظرية ردا على "نظرية الهند" التي تزعم أن الإسلام دخل أول ما دخل في إندونيسيا في القرن السابع الهجري أو القرن الثالث عشر الميلادي عن طريق الهند على أيدي التجار المسلمين. ومما استدلت عليه "نظرية مكة" في هذا الرد أن الإسلام في القرن الثالث عشر الميلادي هو الإسلام الذي قد انتشر ولم يعد على مرحلة البدء والطلوع بل وقد أصبح قوة سياسية ومما يؤكد ذلك اعتناق الأمراء والحكام من الإمارات الساحلية في سومطرة الشمالية مما يعني أنه قد وصل تلك المناطق منذ أمد بعيد. وقد أثبتت صحة "نظرية مكة" عدة مؤتمرات عن دخول الإسلام في إندونيسيا منها مؤتمر "تاريخ دخول الإسلام في إندونيسيا" المنعقد عام 1963م، ومؤتمر "تاريخ الإسلام في مينان كابو" المنعقد عام 1969م ,ومؤتمر "تاريخ رياو" المنعقد عام 1975م، ومؤتمر "تاريخ دخول الإسلام في كاليمانتان" المنعقد عام1976م. انظر: أحمد منصور سريا نجارا، Menemukan Sejarah، (باندونج: ميزان، 1998)، ص 73-94.

[2] محمد أمين بن أبا، تعليم اللغة العربية في مؤسسة دار الدعوة والإرشاد في إندونيسيا، رسالة الماجستير، معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، 1992م، ص 28-30.

[3] نصر الدين إدريس جوهر، تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا، رسالة الدكتوراه، جامعة النيلين، الخرطوم، 2006م، ص 18-20.

[4] رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه، (الرباط: إسيسكو، 1989)، ص 100.

[5] محمود إسماعيل صيني، دراسة في طرائق تعليم اللغات الأجنبية، في وقائع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ج2، (مكتبة التربية لدول الخليج، 1985م)، ص 134-136.

[6] Topik Inti Kurikulum Nasional, Perguruan Tinggi Agama Islam: Fakultas Adab, Syariah, Tarbiyah, Dakwah, Ushuluddin.، وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية، 1998، ص 20-23.

[7] هذه السلسة هي سلسلة معتمدة ورسمية لتعليم اللغة العربية في المدارس الثانوية وكان استخدامها على أساس تزكية الوزارة الشؤون الدينية رقم E/36/1996 تاريخ 10 أبريل 1996م.

[8] أحمد شلبي، تعليم اللغة العربية لغير العرب، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1980م)، ص 18.

[9] شهداء صالح، مناهج تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية بإندونيسيا، رسالة الدكتوراه، جامعة النيلين، الخرطوم، 2006م، ص 30.

[10] انظر سلسلة العربية للطلبة، جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا، ج 1،2،و3، 2005م، ص أ.

[11] انظر دليل البرنامج الخاص لتعليم اللغة العربية، الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج، 2005، ص: 20.

[12] محمد ناصر عبد الرحمن، أساليب تدريس كتاب العربية للطلبة، جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية، ص:1.

[13] دليل البرنامج الخاص لتعليم اللغة العربية، الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج، مرجع سابق، ص 21-22.

[14] من هذه المواقع موقع " http://pba.aldakwah.orgوهو أول موقع إندونيسي يختص بتعليم اللغة العربية في العالم السيبري. يقدم هذا الموقع دروس اللغة العربية في قسمين: المحادثة والقواعد، وتتدرج المواد في كل من القسمين من المستوى الابتدائي إلى المستوى المتقدم. وأهم ما يستفاد من هذا الموقع التدريب على الاستماع والكلام والإلمام بالقواعد العربية.

[15] من الجامعة التي بادرت إلى تصميم وإصدار هذه النوع من الاختبارات جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا وجامعة شاريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا. وأداء هذا الاختبار كما قرر في جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا شرط من شروط الالتحاق بكليات الدراسات العليا والتخرج منها.

[16] أحمد فؤاد أفندي، منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لهدف خاص (تجربة مؤسسة تثقيف الأمة بمالانج، في القرآن لغته وتفسيره، (جاكارتا: أولى النهى للطباعة والنشر، 2006م)، ص 329.

[17] انظر المرجع السابق، ص 329-332.

2 تعليقات:

إرسال تعليق

التعليق باللغة العربية

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية